توقيف شقيقه يعيد “بولي جوس” للواجهة.. زعيم موكرو مافيا الهارب في السيراليون الذي امتدت خيوطه لشمال المغرب
عاد اسم بارون المخدرات الهولندي جوزيف يوهانس لايديكيرس، المعروف بلقب “بولي جوس”، إلى الواجهة بقوة بعد توقيف شقيقه هاري في إسطنبول، ضمن التحقيقات المرتبطة بأضخم شحنة كوكايين تم ضبطها في العقود الأخيرة، والتي تجاوزت 40 طنا على متن السفينة “أركونيان” قرب جزر الكناري وقبالة سواحل مدينة الداخلة. وتُعد العملية واحدة من أكبر الضربات الأمنية ضد شبكات التهريب الدولي نحو أوروبا، والتي يعتقد أن السلطات المغربية ساهمت في ضبطها.
ويُعتبر “بولي جوس” أحد أخطر زعماء شبكة “موكرو مافيا”، المتخصصة في تهريب الكوكايين وغسل الأموال والاغتيالات وتصفية الحسابات بين بارونات المخدرات بأوروبا. وتشير تقارير أمنية أوروبية إلى أن التنظيم أصبح يسيطر على جزء مهم من تجارة الكوكايين القادمة من أمريكا اللاتينية نحو موانئ أوروبا، خصوصا عبر أنتويرب وروتردام وإسبانيا وشمال إفريقيا.
وتربط عدة تقارير اسم “بولي جوس” بشبكات تهريب تنشط بين جنوب إسبانيا وشمال المغرب، خاصة بمنطقة طنجة والسواحل الشمالية، التي تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى نقطة عبور استراتيجية للمخدرات الصلبة والأموال المشبوهة، رغم تضييق السلطات الخناق على هذه الشبكات. كما تتحدث معطيات متقاطعة عن علاقات غير مباشرة بين عناصر من “موكرو مافيا” وبارونات معروفين في طنجة وشمال المملكة، في إطار شبكات لوجستية تستغل المسالك البحرية بين المغرب وإسبانيا.
وحسب التحقيقات الجارية، فإن السفينة “أركونيان” التي انطلقت من سيراليون كانت تحمل أكثر من 40 ألف كيلوغرام من الكوكايين، إضافة إلى أسلحة وذخيرة وكميات ضخمة من الوقود المخصص للزوارق السريعة المستعملة في التهريب البحري. وقد ربطت وسائل إعلام أوروبية العملية مباشرة بـ”موكرو مافيا”، فيما يُشتبه في أن “بولي جوس” كان العقل المدبر وراء الشحنة التاريخية.
ويعيش “بولي جوس”، البالغ من العمر 34 سنة، في حالة فرار منذ سنوات، رغم صدور أحكام ثقيلة ضده في هولندا وبلجيكا تجاوز مجموعها 81 سنة سجنا، إلى جانب غرامات ومصادرة أموال بملايين اليوروهات. كما تلاحقه اتهامات تتعلق بتهريب عشرات الأطنان من الكوكايين وتبييض الأموال والضلوع في عمليات اختطاف واغتيالات مرتبطة بحروب المخدرات داخل أوروبا.
وتشير تقارير أمنية إلى أن زعيم “موكرو مافيا” يتحصن حاليا في سيراليون تحت حماية نافذين، بينما تواصل أجهزة أوروبية تعقب شبكته المالية والعائلية الممتدة بين إفريقيا وأوروبا والخليج. أما اعتقال شقيقه في تركيا، فيُنظر إليه كضربة جديدة قد تكشف أسرارا خطيرة حول الامتدادات الدولية لأكبر إمبراطورية كوكايين عرفتها أوروبا خلال السنوات الأخيرة.
وتكشف المعطيات المتوفرة أن شبكة “موكرو مافيا” لا تعتمد فقط على التهريب البحري التقليدي، بل تستغل أيضا شركات للنقل والتصدير وتبييض الأموال عبر مشاريع عقارية وتجارية موزعة بين إسبانيا وهولندا وبلجيكا. كما تعتمد الشبكة على وسطاء محليين وشبكات لوجستية معقدة لتأمين مرور الشحنات الضخمة دون إثارة الشبهات.
وفي شمال المغرب، تزايد خلال السنوات الأخيرة الحديث عن محاولات اختراق تقوم بها شبكات أوروبية مرتبطة بالكوكايين لسواحل المنطقة، مستفيدة من خبرة مهربي الحشيش التقليديين ومسالك التهريب السرية المنتشرة بين طنجة والعرائش وتطوان. وترى تقارير أمنية أن بعض التنظيمات الدولية أصبحت تنظر إلى شمال المغرب كبوابة مهمة ضمن مسار تهريب المخدرات نحو أوروبا.
كما أعادت قضية “أركونيان” النقاش حول التحالفات الخطيرة بين بارونات المخدرات في أوروبا وشبكات التهريب العابر للحدود، خاصة بعد الحديث عن استعمال زوارق سريعة وموانئ سرية ومحطات لوجستية بإفريقيا الغربية لتأمين عبور الكوكايين القادم من أمريكا اللاتينية نحو القارة الأوروبية.
وتشير التحقيقات الجارية في بلجيكا وهولندا إلى أن “بولي جوس” لم يكن مجرد مهرب مخدرات، بل تحول إلى قائد شبكة مالية ضخمة تدير ملايين اليوروهات عبر شركات وهمية وحسابات معقدة، وهو ما جعل السلطات الأوروبية تعتبره واحدا من أخطر المطلوبين في قضايا الجريمة المنظمة وغسل الأموال.
كما أعادت القضية إلى الواجهة ملف اختفاء البارونة المغربية نعيمة جيلال، المعروفة بلقب “عرابة الكوكايين”، والمعرفة بعلاقتها مع بارون المخدرات الشهير “رضوان التاغي”، والتي اختفت في أمستردام سنة 2019 في ظروف غامضة. وكانت جيلال تُعتبر من أبرز الأسماء النسائية المرتبطة بتجارة الكوكايين الدولية، مع امتدادات داخل شبكات تنشط بين بويرتو بانوس وإيستيبونا بجنوب إسبانيا.
ووفق معطيات تداولتها وسائل إعلام أوروبية، فقد عُثر داخل هواتف محجوزة لدى مشتبه فيهم على صور صادمة لامرأة مقيدة إلى كرسي وتتعرض للتعذيب، فيما يعتقد محققون أن الضحية قد تكون نعيمة جيلال. كما تشير الشبهات إلى احتمال تورط “بولي جوس” بشكل مباشر في تصفيتها، ضمن صراعات دامية بين شبكات الكوكايين بأوروبا.
ورغم الضربات الأمنية المتتالية التي استهدفت مقربين منه، ما يزال “بولي جوس” يشكل لغزا حقيقيا للأجهزة الأمنية الأوروبية، خصوصا مع فشل كل محاولات توقيفه إلى حدود اليوم، في وقت تتسع فيه التحقيقات لتشمل أفرادا من عائلته ومساعديه المشتبه في تورطهم بإخفاء الأموال وتنسيق عمليات التهريب الدولية.
