من دبي إلى سواحل المغرب وإسبانيا.. كيف أدار “تابي” و”العقرب” و”حسن” عملية كوكايين ضخمة انتهت بمقتل الهيشو؟
في إحدى ليالي أكتوبر 2024، اجتمع الشاب مصطفى هيشو، البالغ من العمر 22 عاماً، مع حسن محمد مسعود وشريكته نيسرين داخل فيلا تحمل اسم “فيلا رانيا”. لم يكن اللقاء عادياً، بل خُصص لوضع اللمسات الأخيرة على رحلة جديدة عبر المحيط الأطلسي بحثاً عن شحنة كوكايين قادمة من أمريكا اللاتينية. وخلال العشاء، فاجأ مصطفى الحاضرين باعتراف بدا وكأنه نبوءة مبكرة. طلب من حسن أن يدعو له، قائلاً إن لديه إحساساً سيئاً تجاه الرحلة المقبلة، مضيفاً أن الذهاب ليس مثل العودة وأنهما سيلتقيان بعد شهرين. كلمات تحولت لاحقاً إلى واحدة من أكثر التفاصيل إثارة في ملف جنائي ضخم هز إسبانيا والمغرب.
قبل أشهر قليلة من ذلك اللقاء، كان مصطفى قد شارك في عملية ناجحة انتهت بإدخال 7500 كيلوغرام من الكوكايين عبر السواحل الجنوبية لإسبانيا رفقة ثلاثة عناصر آخرين من الشبكة. وبعد تفريغ الشحنة تقاسم الأربعة نحو نصف مليون يورو. لكن الرحلة الجديدة كانت مختلفة. هذه المرة رافقه شقيقه إبراهيم الهيشو، فيما كانت التعليمات تأتي من رجل غامض يلقب بـ”العقرب” أو “Escorpion”، وهو مهرب كشفت معطيات تحصلت عليها “محطات” أنه ينحدر من سبتة ويقيم بالمغرب ويدعى “محمد ب.”.
بحسب التحقيقات، كان “العقرب” يشغل موقعاً محورياً داخل المنظمة. فمن خلال عدة هواتف كان ينسق تحركات الأطقم البحرية المنتشرة في المحيط، ويرسل الإحداثيات الدقيقة لمواقع السفن الأم المحملة بالكوكايين، ويحدد أماكن تفريغ الشحنات ونقاط التزود بالوقود في عرض البحر. وكان أفراد الشبكة مطالبين بتنفيذ أوامره فور الإبحار، إذ اعتُبر المسؤول المباشر عن إدارة العمليات البحرية وربط الاتصال بين المهربين في البحر وموردي المخدرات.
أما في قمة الهرم، فتضع التحقيقات اسم البارون المغربي محمد عبد السلام، الشهير بلقب “تابي”، والمقيم في دبي. وتصفه الشرطة بأنه العقل المدبر للشبكة والوسيط الذي يتفاوض مع ممثلي الكارتيلات في أمريكا اللاتينية، خصوصاً في كولومبيا والبرازيل. ومن مقر إقامته في دبي كان يتولى تمويل عمليات التهريب الضخمة نحو أوروبا، فيما كان حسن محمد مسعود يمثل ذراعه اليمنى في شبه الجزيرة الإيبيرية، ويتكلف بالتنسيق على الأرض وصرف الأموال لأفراد الشبكة.
فجر 14 نونبر 2024 تحققت مخاوف مصطفى. فبينما كانت المجموعة تستعد لإنزال شحنة مخدرات في نهر الوادي الكبير بإسبانيا، تعرض الزورق الذي يقوده لحادث أثناء مطاردة من طرف الحرس المدني الإسباني. لقي مصطفى مصرعه في عين المكان، بينما تمكن شقيقه إبراهيم من النجاة والفرار نحو الجزيرة الخضراء قبل أن يستقل عبارة إلى سبتة ويختبئ مؤقتاً في حي “إل برينسيبي”.
وفاة مصطفى لم تُنه القصة، بل فتحت فصلاً جديداً أكثر غموضاً. فبفضل تعاون بين الشرطة الإسبانية والوكالة البريطانية لمكافحة الجريمة، ظهرت معلومات تفيد بأن “تابي” كان مستعداً لدفع 120 مليون درهم مغربي، أي ما يعادل نحو 12 مليون يورو، إلى أرملة مصطفى يسرى وابنته عناية ووالدته وإخوته. ووفق التحقيق، كان الهدف من هذا المبلغ الضخم شراء صمت العائلة وتسوية تبعات مقتل أحد أهم ربابنة الشبكة للقوارب السريعة التي تسمى في عالم التهريب بـ”الگومات”، أثناء تنفيذ مهمة تهريب.
وتشير المعطيات إلى أن “تابي” أوكل مهمة ضمان تنفيذ هذه المدفوعات إلى حسن محمد مسعود. وفي مكالمات هاتفية اعترضتها الشرطة بين يسرى ونيسرين، شريكة حسن، تحدث الطرفان عن الأموال المنتظرة وعن حالة التكتم التي فرضتها المنظمة بعد مقتل مصطفى. كما كشفت المحادثات أن الراحل ترك وراءه أموالاً وممتلكات مهمة، من بينها منزل في كابو نيغرو وسيارة فارهة من نوع “Audi” تتجاوز قيمتها 80 ألف يورو، إضافة إلى ممتلكات أخرى قُدرت بنحو 1.9 مليون يورو في المغرب.
بعد الحادث مباشرة دخلت الشبكة في ما وصفه المحققون بـ”قطع الاتصال التام” أو “apagón comunicativo” في لغة محققي مكافحة المخدرات والجريمة المنظمة، حيث تخلص أفرادها من هواتفهم وغير بعضهم أماكن إقامتهم، خصوصاً الأشخاص المرتبطين بـ”العقرب” الذي ارتبط اسمه مؤخرا بعدد كبير من عمليات التهريب الدولي. لكن النشاط لم يتوقف طويلاً، إذ عادت عمليات التهريب إلى الواجهة بعد أسابيع قليلة فقط من مقتل مصطفى. وخلال تلك الفترة بدأت الخلافات المالية تظهر بين أرملة الراحل وإخوته، كما تعرض حسن محمد مسعود ونيسرين لعملية اقتحام مسلح داخل منزلهما بضواحي لوس باريوس، حيث سُرق مبلغ 40 ألف يورو وسيارة من نوع “بورش كايين”، فيما رجحت الشرطة أن يكون منفذو العملية على صلة بإخوة مصطفى الذين كانوا يشككون في وصول الأموال الموعودة إليهم.
التحقيق الذي حمل الاسم الحركي “سومبرا نيغرا” والذي تمكنت “محطات” من الوصول لتفاصيله، كشف لاحقاً حجم الشبكة التي يقودها “تابي”. فبحسب الشرطة، تمكنت المنظمة بين عامي 2024 و2025 من إدخال ما يصل إلى 57 طناً من الكوكايين إلى أوروبا، بينما نجحت السلطات في حجز 10.4 أطنان فقط خلال مراحل التحقيق. كما أظهرت تسجيلات سرية أن أفراد الشبكة نفذوا أكثر من عشرين عملية تهريب ناجحة بعد مقتل مصطفى، وهو ما دفع حسن إلى الشكوى من تأخر حصوله على نصيبه من الأرباح، متهماً “العقرب” بشكل غير مباشر بتهميشه رغم استمراره في تحمل مسؤولية التنسيق والدفع.
وفي الوثائق التي اطلعت عليها الجهات المحققة، يظهر هيكل الشبكة واضحاً: “تابي” في دبي يمول ويعقد الصفقات الدولية، و “العقرب” من المغرب يدير الأسطول البحري ويوجه الربابنة في عرض الأطلسي، وحسن محمد مسعود يشرف على العمليات الأرضية والمدفوعات. وبين هؤلاء الثلاثة، انتهت حياة مصطفى الهيشو بعد أن تحققت نبوءته التي أطلقها خلال عشاء أخير، تاركاً وراءه ملفاً يكشف جانباً من واحدة من أكبر شبكات تهريب المخدرات التي تنشط بين المغرب وإسبانيا وأمريكا اللاتينية.
