- Advertisement -

الفحص أنجرة.. صراع المقعدين بين قوة القاعدة الانتخابية ورهان تشبيب النخب

0 9٬186

مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقررة يوم 23 شتنبر 2026، تتحول دائرة الفحص أنجرة إلى واحدة من أكثر الدوائر إثارة للاهتمام بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة، بالنظر إلى أن الرهان لا يتجاوز مقعدين برلمانيين، بينما تتنافس عليهما أسماء تجمع بين سياسيين راكموا تجربة انتخابية وتنظيمية، ووجوه شابة اختارت دخول السباق من بوابة الكفاءة وتجديد النخب.

وتكشف قراءة المعطيات الانتخابية السابقة أن التجمع الوطني للأحرار وحزب الاستقلال ينطلقان من موقع متقدم نسبياً. ففي تشريعيات 2021، تصدر الأحرار الدائرة بـ14 ألفاً و643 صوتاً، أي 50.31 في المائة، مقابل 10 آلاف و94 صوتاً للاستقلال، بنسبة 34.68 في المائة، ليقتسم الحزبان المقعدين البرلمانيين. كما عزز الأحرار موقعه في الانتخابات الجماعية في السنة نفسها بحصوله على 81 مقعداً من أصل 137، مقابل 48 للاستقلال، مع تصدره أربع جماعات مقابل ثلاث للاستقلال.

Fete de trone

رضوان النوينو.. هل يستطيع الأحرار الحفاظ على المقعد؟

في مقدمة الأسماء التي تحظى بحظوظ قوية يأتي رضوان النوينو، وكيل لائحة التجمع الوطني للأحرار. أهمية ترشيحه لا ترتبط فقط بلون الحزب الذي يخوض به الانتخابات، وإنما أيضاً بتجربته السابقة، إذ سبق له أن دخل مجلس النواب عن دائرة الفحص أنجرة خلال الولاية التشريعية 2016-2021 بألوان الأصالة والمعاصرة. وبذلك يعود النوينو إلى السباق البرلماني بعد غياب عن انتخابات 2021، لكن هذه المرة من بوابة الحزب الذي يتصدر المشهد الانتخابي بالإقليم منذ محطة 2021.

ويمنح الأحرار للنوينو رصيداً تنظيمياً يصعب تجاهله؛ فالحزب لا يبدأ من الصفر، بل يدخل المعركة مستنداً إلى نتيجة تشريعية قوية وإلى شبكة منتخبة واسعة بالإقليم. غير أن التحدي أمام النوينو يكمن في تحويل القوة التنظيمية للحزب إلى أصوات شخصية له، خصوصاً أن جزءاً من المشهد المحلي شهد خلال الأشهر الأخيرة انتقالات واستقالات أعادت ترتيب موازين القوى داخل عدد من الجماعات. لذلك، تبدو حظوظه مرتفعة، لكن حسم المقعد ليس مضموناً قبل معرفة قدرة الحزب على توحيد صفوفه خلف مرشحه.

إدريس ساور.. قوة الاستمرارية والاستقلال

على الضفة الأخرى، يدخل إدريس ساور المنصوري المنافسة بوصفه أحد أكثر الأسماء خبرة في الدائرة. فقد كان ضمن الفائزين بمقعد برلماني سنة 2021 عن حزب الاستقلال، كما أعيد انتخابه رئيساً لجماعة البحراويين، وهو ما يمنحه حضوراً انتخابياً ومؤسساتياً يتجاوز مجرد الانتماء الحزبي. كما أن حزب الاستقلال اختار تجديد الثقة فيه وكيلاً للائحته في تشريعيات 2026، في رسالة واضحة بأن قيادة الحزب تراهن على عامل التجربة والقدرة على الحفاظ على المقعد.

غير أن ترشيح ساور لا يخلو من تحديات. فالحزب يحاول الحفاظ على المقعد الذي انتزعه في 2021 في مواجهة منافسين أكثر شباباً، في مقدمتهم النوينو والخنشوف. كما أن قرار الاستقلال تجديد الثقة في ساور جاء في سياق شهد مغادرة أحد الوجوه التنظيمية للحزب، وهو محمد ربيع الخنشوف، الذي انتقل لاحقاً إلى الاتحاد الدستوري. وهذا يجعل المعركة بين الاستقلال والاتحاد الدستوري ذات بعد شخصي وتنظيمي يتجاوز المنافسة التقليدية بين حزبين.

محمد ربيع الخنشوف.. الاتحاد الدستوري يبحث عن اختراق كبير

يبدو محمد ربيع الخنشوف من أكثر المرشحين القادرين على إرباك الحسابات التقليدية. فقد غادر حزب الاستقلال بعد أن كان يشغل منصب نائب المفتش الإقليمي وعضواً بالمجلس الوطني، قبل أن يلتحق بالاتحاد الدستوري ويُزكى وكيلاً للائحته في الفحص أنجرة. وتكتسي هذه الخطوة أهمية خاصة لأن الخنشوف لا يدخل السباق باعتباره وافداً سياسياً مجهولاً، وإنما يحمل معه تجربة تنظيمية وعلاقات محلية راكمها خلال سنوات داخل حزب الاستقلال.

وهنا تكمن خصوصية رهان الاتحاد الدستوري: الحزب يحاول تحويل قوة مرشحه الشخصية إلى قاعدة انتخابية حزبية. فالاتحاد الدستوري لا يمتلك في الفحص أنجرة، وفق نتائج 2021، نفس الوزن الانتخابي الذي يتوفر عليه الأحرار والاستقلال، وبالتالي فإن الخنشوف مطالب بإثبات أن جزءاً من القوة التي راكمها داخل الاستقلال يمكن أن تنتقل معه إلى حزبه الجديد. وإذا نجح في ذلك، فقد يتحول إلى منافس مباشر على أحد المقعدين، وهو ما يفسر أهمية ترشيحه بالنسبة للحزب الذي يسعى إلى إعادة بناء حضوره بالإقليم.

عبد السلام الشلاف.. ورقة البام في المنافسة على المقعدين

أما عبد السلام الشلاف، رئيس جماعة تغرامت، فيخوض السباق بألوان الأصالة والمعاصرة بعدما غادر التجمع الوطني للأحرار. ويشكل انتقاله أحد أبرز عناوين الحراك السياسي في الإقليم، خصوصاً أن الشلاف كان منتخباً باسم الأحرار، ما يمنحه معرفة مباشرة بالخريطة المحلية وشبكة من العلاقات الانتخابية.

لكن وضعية البام تختلف عن وضعية الأحرار والاستقلال. فرغم أن الشلاف يمتلك وزناً شخصياً قد يسمح له بالمنافسة رغم أن حضوره محلياً قد خفت خلال السنوات الماضية، فإن الآلة الانتخابية للحزب في الفحص أنجرة لا تظهر، استناداً إلى نتائج 2021، بالقوة نفسها التي ظهر بها الحزبان المتصدران. لذلك يمكن وضع الشلاف في خانة المرشحين القادرين على إحداث المفاجأة أكثر من اعتباره المرشح الأوفر حظاً في الحسابات الأولية. وفي حال نجح في استقطاب جزء من الأصوات التي كانت تصوت للأحرار، فقد يصبح رقماً صعباً في معادلة المقعدين.

سعاد بولعيش.. تجربة برلمانية في مواجهة تراجع البيجيدي

وتعود سعاد بولعيش الحجراوي إلى الواجهة باسم حزب العدالة والتنمية، وهي ليست اسماً جديداً على الدائرة، إذ سبق أن مثلت الفحص أنجرة في البرلمان، كما ظلت حاضرة تنظيمياً في الحزب بالإقليم. ويمنحها ذلك أفضلية مهمة على المرشحين الذين يخوضون تجربتهم الأولى، خصوصاً من حيث معرفة الدائرة والناخبين والقضايا المحلية. كما أن حضورها البرلماني السابق موثق في أرشيف مجلس النواب وفي عدد من الأسئلة الكتابية التي تناولت قضايا تخص الإقليم.

غير أن المشكلة الأساسية بالنسبة لبولعيش لا ترتبط بشخصها فقط، وإنما بالوضع الانتخابي لحزب العدالة والتنمية في مرحلة ما بعد 2021. فقد خرج الحزب من تشريعيات 2021 بنتيجة وطنية ضعيفة، وحصل على 13 مقعداً فقط، مقابل 102 للأحرار و81 للاستقلال. وفي الفحص أنجرة تحديداً، لم يتمكن من الحفاظ على المقعد الذي كان قد فاز به في مرحلة سابقة. لذلك تبقى حظوظ بولعيش قائمة بحكم تجربتها، لكنها تبدو أقل من حظوظ مرشحي الأحرار والاستقلال والاتحاد الدستوري، ما لم تنجح في تعبئة الكتلة الانتخابية التقليدية للحزب وإعادة تنشيط حضوره المحلي.

فادي وكيلي عسراوي.. رهان الاتحاد الاشتراكي على الشباب

من جهته، يراهن فادي وكيلي عسراوي على ورقة الشباب والكفاءة، باعتباره وجهاً حزبياً شاباً ومرشح الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية. وقد عمل الحزب على تقديم ترشيحه باعتباره محاولة لضخ دماء جديدة في المشهد السياسي المحلي، كما جددت الكتابة الإقليمية للحزب دعمها له في يوليوز الماضي.

غير أن عامل الشباب وحده لا يكفي لحسم مقعد في دائرة يغلب عليها ثقل الشبكات الانتخابية المحلية. وسيحتاج عسراوي إلى تحويل حضوره الحزبي وخطابه المرتبط بالكفاءة إلى كتلة تصويتية فعلية. لذلك يمكن اعتبار حظوظه متوسطة إلى ضعيفة في الحسابات الأولية، مع إمكانية تحسين موقعه إذا تمكن الاتحاد الاشتراكي من استثمار الحملة الانتخابية بشكل مكثف.

فريد الهيشو ووديع المعموري.. معركة إثبات الحضور

ويشارك فريد الهيشو باسم الحزب المغربي الحر، بعدما حصل على تزكية الحزب بدائرة الفحص أنجرة. وقد أعلن الحزب مؤخراً عن مرشحيه وبرنامجه الانتخابي، ما يؤكد دخوله رسمياً في سباق الدائرة. غير أن الحزب لا يتوفر، وفق النتائج السابقة المتاحة، على قاعدة انتخابية يمكن مقارنتها بما يمتلكه الأحرار أو الاستقلال، وهو ما يجعل مهمة الهيشو أصعب، رغم إمكانية استقطابه أصواتاً احتجاجية أو أصواتاً تبحث عن بديل خارج الأحزاب التقليدية.

أما وديع المعموري، مرشح حزب التقدم والاشتراكية، فيدخل بدوره المنافسة في دائرة شديدة الصعوبة. فالحزب سبق أن حصل على حضور محدود جداً في الانتخابات الجماعية بالإقليم، ولم يكن ضمن الحزبين اللذين اقتسما المقعدين البرلمانيين سنة 2021. وعليه، تبدو حظوظه في الظفر بأحد المقعدين أقل من المرشحين الذين يتوفرون على امتداد انتخابي وتنظيمي أكبر، إلا إذا تمكن من خلق موجة تصويت جديدة خلال الحملة.

الخلاصة: مقعدان فقط قد يفتحان الباب لمفاجأة

بناءً على النتائج الانتخابية السابقة، والثقل التنظيمي للأحزاب، وتجربة المرشحين، والتحولات التي شهدها المشهد المحلي خلال 2026، تبدو الصورة الأولية أقرب إلى سباق ثلاثي على الأقل بين رضوان النوينو، إدريس ساور المنصوري ومحمد ربيع الخنشوف، مع وجود عبد السلام الشلاف كمرشح أقل حضوراً لكن قادر على خلط الأوراق. ويظل الأحرار والاستقلال في موقع متقدم بفضل نتائجهما في 2021، بينما يمثل الخنشوف أخطر محاولة لاختراق هذه الثنائية من خلال الجمع بين تجربة تنظيمية سابقة وقميص حزبي جديد.

أما الأصالة والمعاصرة، والعدالة والتنمية، والاتحاد الاشتراكي، والتقدم والاشتراكية، والحزب المغربي الحر، فتبدو حظوظها، وفق المعطيات المتاحة حالياً، أقل من الثلاثي المذكور، وإن كان ذلك لا يعني خروجها من المنافسة. فخصوصية الفحص أنجرة تكمن في أن الفارق بين المرشحين قد تحسمه في النهاية شبكات انتخابية محلية، ونسبة المشاركة، وقدرة كل مرشح على توحيد قواعد حزبه، وليس فقط الوزن الوطني للحزب.

وبالتالي، فإن السؤال الحقيقي في الفحص أنجرة لن يكون فقط: من يملك الحزب الأقوى؟ بل أيضاً: من يستطيع تحويل رصيده الشخصي والتنظيمي إلى أصوات فعلية يوم 23 شتنبر؟ فالمعركة تبدو مفتوحة على احتمال استمرار ثنائية الأحرار والاستقلال، لكنها مفتوحة كذلك أمام اختراق محتمل يقوده الاتحاد الدستوري عبر الخنشوف، أو مفاجأة قد يصنعها الشلاف إذا نجح في نقل جزء معتبر من شبكته الانتخابية إلى الأصالة والمعاصرة. والحسم، في نهاية المطاف، سيبقى للصندوق لا للتوقعات.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.