عندما يتحول الوزراء السابقون إلى مرشحين: مشهد مخجل لطبقة سياسية فقدت بوصلتها

0 9٬191

عامر زغينو*

لا بد من قول الحقيقة بكل صراحة وبكل ما تقتضيه خطورة الوضع: إن مستوى بعض المرشحين للانتخابات التشريعية المقبلة أصبح مقلقاً للغاية. وعندما يتعلق الأمر بوزراء من الحكومة المنتهية ولايتها، فإن الإحساس بالاستياء يصبح أكبر.
نفس الوجوه. نفس الخطابات. نفس الوعود. واليوم، نفس الاتهامات التي يوجهها بعضهم إلى بعض، بعنف لفظي يتجاوز بكثير حدود النقاش السياسي العادي.
اتهامات بالغة الخطورة يتم تبادلها علناً. وكشف عن معطيات تُستعمل كسلاح. ومسؤوليات يتم تحميلها لهذا الطرف أو ذاك. وبعض هذه الاتهامات، إذا ثبتت صحتها، قد ترقى إلى أفعال يعاقب عليها القانون الجنائي.
ومع ذلك، فبدلاً من أن نرى مسؤولين سياسيين يجيبون عن أفعالهم أمام المؤسسات المختصة، نجد أنفسنا أمام مشهد مؤسف: كل واحد يتهم الآخر، وكل واحد يحاول تقديم نفسه في صورة المنقذ، وكل واحد يدعي اليوم أنه اكتشف المشاكل التي لم يستطع، أو لم يرغب، في حلها بالأمس.
فمن يستهين بعقول المغاربة؟

اتهامات تستوجب المحاسبة، لا الخطابات

عندما يتهم وزير سابق وزيراً سابقاً آخر بوقائع خطيرة محتملة، فالمسألة ليست معرفة من يجيد التواصل السياسي أكثر. المسألة هي معرفة ما إذا كانت هذه الوقائع صحيحة.
إذا كانت هذه الاتهامات مؤسسة على حقائق، فيجب أن تخضع لتحقيقات جدية ومستقلة وشفافة. ويجب تحديد المسؤوليات، وأن يجيب المعنيون أمام المؤسسات المختصة.
وإذا كانت الاتهامات غير مؤسسة، فعلى أصحابها أيضاً تحمل مسؤولية كلامهم.
لا يمكن للسياسة أن تتحول إلى فضاء تُرمى فيه اتهامات قد تكون ذات طابع جنائي، كما لو كان الأمر مجرد تبادل عبارات عابرة في استوديو تلفزيوني، ثم يعود أصحابها بكل بساطة لطلب أصوات المواطنين.
الدول الجادة لا تدار بهذه الطريقة. والديمقراطية الحقيقية لا يمكن أن تقبل باستبدال الحقيقة بضجيج الحملات الانتخابية.

لماذا لم تنفذوا هذه الوعود بالأمس؟

الأكثر إثارة للاستغراب في هذا الوضع، هو أن نرى بعض المسؤولين السياسيين يعودون إلى المواطنين ببرامج طموحة والتزامات كبيرة ووعود تبدو وكأنها خارجة من كتالوج للأحلام.
يعدون بحل مشاكل البلاد.
يعدون بتحسين القدرة الشرائية.
يعدون بإصلاح الإدارة.
يعدون بتعزيز الحكامة ومحاربة الفساد وتحسين الخدمات العمومية وبناء مستقبل أفضل.
حسناً.
لكن سؤالاً بسيطاً يفرض نفسه، وهو سؤال ينبغي لكل مواطن أن يطرحه قبل أن يضع ورقته في صندوق الاقتراع:
لماذا لم تفعلوا ذلك عندما كنتم في الحكومة؟
لقد كانت لديكم المسؤوليات. وكانت لديكم الوسائل المؤسساتية. وكانت لديكم إمكانية اتخاذ القرار. وكان لديكم كل ما يلزم للتحرك.
ماذا فعلتم خلال سنوات ولايتكم؟
لماذا تعود المشاكل نفسها اليوم إلى خطاباتكم، وكأنكم تكتشفون وجودها لأول مرة؟
ولماذا ينبغي لنا أن نصدقكم مرة أخرى بمجرد الكلام، في حين أن حصيلتكم السابقة يفترض أن تكون أول معيار لتقييم ترشحكم؟
لا يمكن للوعود الانتخابية أن تكون مجرد قناع لتغطية حصيلة ضعيفة. ولا يمكن أن تتحول إلى عملية جديدة لاستمالة الناخبين بهدف طي صفحة المسؤوليات السابقة.

قبل طلب أصوات المواطنين، قدموا حساباتكم!

يجب إعادة ترتيب الأولويات.
قبل الوعود، الحصيلة.
قبل الشعارات، الحقيقة.
قبل الطموحات الشخصية، المحاسبة.
وقبل طلب ثقة المواطنين، يجب الإجابة عن الأسئلة التي تركتها الولاية السابقة معلقة.
وعندما يتم توجيه اتهامات خطيرة بشكل علني بين مسؤولين حكوميين سابقين، فمن المشروع المطالبة بتوضيحات واضحة وبإجراءات مؤسساتية مناسبة.
هذا ليس انتقاماً سياسياً. وليس تصفية حسابات. بل هو مطلب أساسي من مطالب المسؤولية العمومية.
من مارس السلطة يجب أن يقبل التقييم. ومن اتخذ القرارات يجب أن يقبل المساءلة عنها. ومن يوجه الاتهامات يجب أن يقبل التحقق منها.
المنصب الوزاري ليس جوازاً للإفلات من المحاسبة. وصفة الوزير السابق لا ينبغي أن تتحول إلى درع يحمي صاحبه من أسئلة المواطنين.

المغرب يستحق أفضل بكثير

بلادنا تستحق أفضل من سياسة اختزلت في صراعات الأشخاص والحسابات الانتخابية وتبادل الاتهامات.
المغرب يستحق رجالاً ونساءً قادرين على تقديم رؤية والدفاع عن قناعات وتحقيق نتائج.
ويستحق مسؤولين يفهمون أن تدبير الشأن العام ليس مجرد الجلوس على كرسي، أو الظهور في وسائل الإعلام، أو توزيع الوعود مع اقتراب الانتخابات.
الحكم مسؤولية.
الحكم قرار.
الحكم التزام.
الحكم محاسبة.
بلادنا تستحق جيلاً جديداً من المسؤولين السياسيين، الأكفاء والنزهاء والشجعان، الذين يضعون المصلحة العامة فوق كل اعتبار.
وتستحق مرشحين يتحدثون عن المشاريع بدل تصفية الحسابات. مرشحين يقدمون النتائج بدل الأعذار. مرشحين يملكون الشجاعة للاعتراف بأخطائهم بدل البحث الدائم عن شماعة يعلقون عليها فشلهم.
إن هذا المشهد السياسي لا يليق بتطلعات شعب يعمل ويكافح ويطمح إلى مستقبل أفضل.

الكرامة السياسية لا تُعلن، بل تُكتسب

لقد حان الوقت لكي يتوقف المواطنون عن أن يُنظر إليهم باعتبارهم مجرد أصوات ينبغي استمالتها خلال أسابيع قليلة قبل الاقتراع.
المواطن المغربي يستحق الاحترام. يستحق الشفافية. يستحق الأجوبة.
وفوق كل ذلك، يستحق أن تتم محاسبة من تولوا تدبير شؤون البلاد على أفعالهم ونتائجهم وقدرتهم على تحمل المسؤولية.
لا ينبغي أن تتحول الانتخابات إلى آلية تسمح للمسؤولين أنفسهم بالعودة إلى السلطة بشكل متكرر، دون حصيلة حقيقية ودون توضيحات ودون مراجعة للذات.
الثقة تُكتسب، ولا تُطلب بالكلام.
والمصداقية تُبنى، ولا تُفرض.
والشرعية السياسية لا يمكن أن تستند إلى وعود دحضتها الوقائع بالفعل.
المغرب يستحق أفضل من هذا المشهد. يستحق أفضل من هذه الصراعات. يستحق أفضل من طبقة سياسية يبدو أحياناً أنها نسيت أن السلطة خدمة وليست امتيازاً.
إلى أولئك الذين يقدمون أنفسهم اليوم باعتبارهم المدافعين الكبار عن البلاد، سؤال واحد:
ماذا فعلتم بالأمس، عندما كانت لديكم السلطة لفعل ما تعدون به اليوم؟
وأمام الاتهامات الخطيرة التي توجهونها إلى بعضكم البعض، سؤال آخر، أكثر أهمية:
متى ستقدمون حساباتكم أمام المواطنين؟
إن الشعب المغربي لا يحتاج إلى مزيد من العروض الانتخابية. إنه يحتاج إلى الحقيقة والمسؤولية والنتائج.
وحان الوقت لكي تستعيد السياسة كرامتها.

*رئيس الجمعية المغربية للنقل الطرقي عبر القارات.

الآراء والأفكار الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر كاتبها، ولا تعكس بالضرورة موقف أو رأي هيئة تحرير الموقع.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.