- Advertisement -

بين وعود 2021 وحصيلة الولاية.. هل يقنع “الأحرار” سكان الشمال بولاية جديدة؟

0 9٬297

مع اقتراب الانتخابات التشريعية المقررة يوم 23 شتنبر 2026، يجد حزب التجمع الوطني للأحرار نفسه أمام اختبار سياسي أكثر صعوبة من استحقاق 2021: اختبار الحصيلة. فقبل خمس سنوات، دخل الحزب السباق الانتخابي بخطاب يقوم على وعود اجتماعية واقتصادية واضحة، من بينها إحداث مليون منصب شغل، تحسين الخدمات الصحية والتعليمية، دعم الأسر وكبار السن، وتوسيع الحماية الاجتماعية. وكانت تلك الوعود جزءاً من برنامج انتخابي قدرت كلفته بـ275 مليار درهم على مدى خمس سنوات. لكن اليوم، ومع اقتراب موعد تجديد مجلس النواب، لم يعد السؤال بالنسبة إلى الناخب في جهة طنجة-تطوان-الحسيمة هو ماذا سيعد الحزب؟ بل ماذا تحقق فعلاً منذ أن منحه صوته؟

في ملف التشغيل تحديداً، تبدو المسافة بين الوعد والنتيجة أكثر وضوحاً. فقد كان مليون منصب شغل أحد أبرز العناوين التي حملها الحزب في انتخابات 2021، وهو وعد يصعب التعامل معه باعتباره شعاراً عاماً، لأنه حُدد برقم ومدة زمنية. صحيح أن جهة طنجة-تطوان-الحسيمة تتميز بدينامية اقتصادية واستثمارية مهمة، كما أن مؤشرات سوق الشغل فيها تبدو أفضل من عدد من الجهات الأخرى، إلا أن ذلك لا يعني أن الوعد الانتخابي تحقق. فالمندوبية السامية للتخطيط سجلت في 2026 استمرار الجهة ضمن الجهات ذات معدلات البطالة المنخفضة، لكنها سجلت في المقابل معدل بطالة بلغ 7.3 في المائة خلال الفصل الأول من 2026، وهو رقم إيجابي نسبياً، لكنه لا يجيب وحده عن السؤال المتعلق بعدد فرص الشغل المستحدثة وجودتها واستقرارها.

Fete de trone

وهنا تظهر واحدة من أهم المفارقات في تقييم حصيلة الحزب بالشمال: الأرقام الاقتصادية الجيدة لا تعني بالضرورة أن المواطن يشعر بتحسن مماثل في حياته اليومية. فالجهة التي تحتضن طنجة المتوسط والمناطق الصناعية ومشاريع استثمارية كبرى لا تزال تواجه أسئلة مرتبطة بجودة فرص العمل، وأجور الشباب، وتشغيل حاملي الشهادات، والفوارق بين المدن والمجالات القروية والجبلية. كما أن البطالة لدى النساء ظلت مرتفعة نسبياً، إذ بلغت 13.3 في المائة بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة سنة 2025. ولذلك فإن اختزال الحصيلة في عدد المشاريع والاستثمارات قد لا يكون كافياً لإقناع ناخب يبحث قبل كل شيء عن وظيفة أو دخل مستقر.

في المقابل، يملك الحزب ورقة قوية في المجال الاجتماعي، خصوصاً بعد إطلاق الدعم الاجتماعي المباشر وتوسيع منظومة الحماية الاجتماعية. فهذا الورش يمثل فعلاً أحد أبرز التحولات التي عرفتها الولاية الحكومية، ويمكن للأحرار تقديمه باعتباره ترجمة لجزء من الوعود التي رُفعت سنة 2021، خاصة ما تعلق بدعم الأسر والأطفال. لكن المشكلة تبدأ عندما تتم مقارنة التنفيذ بالوعود الأصلية حرفياً؛ فالوعد المتعلق بمنح 1000 درهم شهرياً لكبار السن لم يتحول إلى معاش عام بهذه الصيغة، وهو ما يجعل الحديث عن الوفاء الكامل بجميع الالتزامات الاجتماعية أمراً يحتاج إلى كثير من التحفظ. ومن هنا تبدو الحصيلة الاجتماعية أقرب إلى نجاح مهم في بعض الملفات مقابل عدم استكمال أو تغيير صيغة ملفات أخرى.

أما الشباب، وهم إحدى الفئات التي راهن عليها الحزب بقوة في حملة 2021، فتبقى علاقتهم بالحصيلة أكثر تعقيداً. فقد أطلقت الحكومة برنامج «فرصة» لدعم حاملي المشاريع، إلى جانب مجموعة من برامج التشغيل والمواكبة، لكن السؤال الذي يطرح نفسه في الشمال يتجاوز عدد المستفيدين من البرامج إلى مدى قدرتها على معالجة أصل المشكلة: كيف يتحول الاستثمار والنمو الاقتصادي إلى فرص حقيقية ومستدامة للشباب؟ فوجود مناطق صناعية ومشاريع كبرى لا يضمن تلقائياً استفادة جميع فئات المجتمع منها، خصوصاً في ظل استمرار التفاوت بين المدن الكبرى والمناطق الأقل استفادة من الدينامية الاقتصادية. وبالتالي، فإن نجاح الحزب في إقناع الشباب سيكون مرتبطاً بمدى قدرتهم على لمس أثر السياسات الحكومية في سوق العمل، وليس فقط بعدد البرامج التي أطلقتها الحكومة.

وفي قطاعي الصحة والتعليم، تبدو الصورة بدورها مزدوجة. فمن جهة، شهدت الولاية الحكومية إصلاحات واتفاقات اجتماعية واستثمارات في المنظومتين، كما انطلق ورش إعادة تنظيم القطاع الصحي على المستوى الجهوي. لكن المواطن لا يقيس الإصلاح بالهياكل والبرامج فقط؛ بل بالطبيب الموجود في المستشفى، وبسرعة الحصول على موعد، وبجودة العلاج، وبظروف الدراسة والاكتظاظ والبنية التحتية. وفي الشمال تحديداً، حيث تتجاور مراكز حضرية كبرى مع مناطق جبلية وقروية، يبقى الإنصاف المجالي في الوصول إلى الخدمات أحد الاختبارات الحقيقية لأي حصيلة حكومية. ومن هنا قد تجد المعارضة مساحة واسعة لتوجيه الانتقادات، حتى في الملفات التي حققت فيها الحكومة تقدماً تشريعياً أو مؤسساتياً.

ومع اقتراب اقتراع 23 شتنبر 2026، لن تكون مهمة التجمع الوطني للأحرار في جهة طنجة-تطوان-الحسيمة مجرد إعادة إنتاج خطاب 2021 بأرقام جديدة، بل ستكون محاولة لإقناع الناخب بأن ما تحقق خلال الولاية يستحق تجديد الثقة. فالحزب يستطيع أن يدافع عن أوراش كبرى مثل الدعم الاجتماعي والحماية الاجتماعية والاستثمارات والإصلاحات الصحية، لكنه سيجد نفسه في المقابل أمام أسئلة صعبة حول مليون منصب شغل، ووعود كبار السن، وفرص الشباب، وارتفاع كلفة المعيشة، وجودة الخدمات العمومية. وبين خطاب الحصيلة وخطاب الانتظارات، ستتحدد معركة الشمال انتخابياً على سؤال بسيط لكنه حاسم: هل يرى المواطن أن ما تحقق خلال خمس سنوات يرقى فعلاً إلى مستوى الوعود التي منح على أساسها حزبه صوته سنة 2021؟ الإجابة لن تكون هذه المرة في المهرجانات الانتخابية ولا في البرامج المكتوبة، وإنما ستظهر في صناديق الاقتراع.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.