هل قدّم “البام” للمواطنين وعوداً إنتخابية يستحيل تحقيقها ؟
دخل حزب الأصالة والمعاصرة غمار الانتخابات التشريعية ببرنامج انتخابي طموح، يضع أمام الناخبين حزمة كبيرة من الأرقان والوعود الاجتماعية والاقتصادية، أبرزها إحداث مليون منصب شغل صاف، ورفع الحد الأدنى للمعاش إلى 3000 درهم، ورفع الحد الأدنى للدعم الاجتماعي المباشر تدريجياً إلى 1000 درهم، إلى جانب مجموعة من الإجراءات الرامية إلى تحسين القدرة الشرائية وتحفيز الاستثمار. لكن خلف هذه الأرقام الكبيرة تبرز معادلة أكثر تعقيداً: كيف سيمول الحزب، في حال وصوله إلى قيادة الحكومة، هذه الالتزامات التي تصل كلفتها الإجمالية إلى 350 مليار درهم خلال خمس سنوات؟
الحزب يقدم إجابة واضحة نسبياً على مستوى مصادر التمويل، إذ يقدر أن النمو الاقتصادي الإضافي سيوفر نحو 300 مليار درهم، إلى جانب 40 مليار درهم من مساهمة الجماعات الترابية و10 مليارات درهم من إعادة تخصيص النفقات وتحسين النجاعة الميزانياتية. كما يراهن البرنامج على تحقيق متوسط نمو سنوي في حدود 5 في المائة خلال الفترة الممتدة بين 2027 و2031. غير أن السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بكون 5 في المائة رقماً قريباً من توقعات المؤسسات الدولية، بل بحجم الموارد التي يمثلها كل جزء من نقطة مئوية عندما يتعلق الأمر باقتصاد بحجم الاقتصاد المغربي. فالبنك الدولي يتوقع حالياً نمواً في حدود 4.2 في المائة خلال 2026، بينما تشير توقعاته المتوسطة الأجل إلى مستويات أدنى من 5 في المائة. وبالتالي، فإن الوصول إلى متوسط 5 في المائة على مدى خمس سنوات يظل هدفاً طموحاً وقد يكون بعيد المنال، وليس مجرد فارق رقمي بسيط.


وتزداد صعوبة المعادلة عندما يتعلق الأمر بسوق الشغل، خصوصاً أن حزب الأصالة والمعاصرة لا يتحدث عن إحداث مليون منصب شغل فحسب، وإنما عن مليون منصب شغل صافٍ خلال الولاية الحكومية. وهذا التفصيل ليس بسيطاً، لأن صافي خلق فرص الشغل يعني احتساب المناصب التي يتم إحداثها مقابل تلك التي يتم فقدانها خلال الفترة نفسها.
وبحسب الأرقام والمعطيات المتاحة، فقد تمكن المغرب خلال الفترة الممتدة بين 2019 و2025 من إحداث حوالي 780 ألف منصب شغل، لكن في المقابل فقد الاقتصاد أكثر من 800 ألف منصب شغل، ما يعني أن الحصيلة الصافية كانت سلبية بحوالي 20 ألف منصب. وبالتالي، فإن وعد «البام» لا يعني تكرار ما تحقق خلال السنوات الماضية، بل يتطلب تحقيق قفزة كبيرة في صافي التشغيل، مع ضرورة خلق عدد من الوظائف يفوق في الوقت نفسه عدد المناصب التي سيتم فقدانها. فإذا استمر الاقتصاد في فقدان مئات الآلاف من الوظائف بالتوازي مع إحداث وظائف جديدة، فإن الوصول إلى مليون منصب شغل صافٍ سيصبح أكثر كلفة وصعوبة مما يوحي به الرقم في حد ذاته.
ويزداد هذا التحدي مع كون حوالي 380 ألف منصب شغل من أصل المليون المعلن عنها مرتبطة، وفق برنامج الحزب، بالاستعدادات والاستثمارات المرتبطة بكأس العالم 2030، ما يطرح سؤالاً حول مدى استدامة هذه الوظائف، خصوصاً أن جزءاً منها قد يكون مؤقتاً ومرتبطاً بفترة الأشغال أو بتنظيم التظاهرة. لذلك، فإن السؤال الذي يفرض نفسه على البرنامج الانتخابي ليس فقط: كم منصب شغل سيخلق الحزب؟ بل أيضاً: كم منصباً سيمنع فقدانه، وكم من المناصب التي سيحدثها ستبقى فعلياً بعد انتهاء المونديال؟ فالوصول إلى مليون منصب شغل صافٍ يتطلب تغييراً حقيقياً في قدرة الاقتصاد على خلق وظائف مستدامة، وليس فقط إطلاق مشاريع مؤقتة أو احتساب مناصب تختفي بانتهاء الظرفية التي أُحدثت من أجلها.

وتطرح وعود التشغيل نفسها إشكالية أخرى مرتبطة بالقطاع الذي سيستوعب هذه المناصب. فإذا كانت الدولة مطالبة، وفق توصيات البنك الدولي الذي تبلغ مديونية المغرب له مستويات قياسية، بالتحكم في نفقاتها وتقليص الضغط على المالية العمومية، فمن الصعب أن يكون القطاع العام هو المصدر الرئيسي لمليون منصب شغل جديد. وهذا يعني أن الجزء الأكبر من هذه الوظائف يفترض أن يأتي من القطاع الخاص والشركات والاستثمارات المنتجة، ما سيضع أي حكومة يقودها «البام» أمام ضرورة توفير بيئة أكثر جاذبية للمقاولات، عبر تسهيلات إدارية وحوافز استثمارية وربما تحفيزات أو إعفاءات ضريبية. لكن هنا تظهر مفارقة في البرنامج: كيف يمكن للحكومة أن تمنح الشركات تخفيضات أو امتيازات ضريبية بهدف تشجيعها على الاستثمار والتوظيف، وفي الوقت نفسه تراهن على 300 مليار درهم من النمو الاقتصادي كمصدر أساسي لتمويل برنامج تبلغ كلفته الإجمالية حوالي 350 مليار درهم؟ فكل تخفيض ضريبي واسع قد يساعد على خلق الاستثمار وفرص الشغل على المدى المتوسط، لكنه يعني في المقابل موارد أقل للخزينة على المدى القصير. وبالتالي، فإن نجاح هذه المعادلة يتوقف على قدرة الحزب على تحقيق نمو إضافي فعلي يجعل توسيع القاعدة الاقتصادية وعدد الشركات والمستخدمين يعوض أي تراجع محتمل في المداخيل الضريبية. وهنا تحديداً سيكون الاختبار الحقيقي: هل تستطيع حكومة «البام» خلق دورة اقتصادية تجعل الشركات توظف أكثر وتنتج أكثر وتؤدي ضرائب أقل على كل شركة، لكن بمجموع مداخيل أكبر للخزينة؟ أم أن تخفيض الضرائب سيضيف ضغطاً جديداً على تمويل الوعود الاجتماعية والاستثمارية التي تعهد بها الحزب؟
أما المعادلة الاجتماعية فتبدو أكثر تعقيداً. فرفع الحد الأدنى للدعم الاجتماعي المباشر تدريجياً إلى 1000 درهم يهم، وفق البرنامج، حوالي أربعة ملايين أسرة مستفيدة. وإذا كان المقصود رفع الحد الأدنى من 500 إلى 1000 درهم، فإن الزيادة وحدها تعني نظرياً ما يقارب 24 مليار درهم سنوياً إذا احتُسبت على أربعة ملايين أسرة، قبل احتساب أي توسع في قاعدة المستفيدين أو تغيرات أخرى في منظومة الاستهداف. لذلك فإن التحدي لا يكمن فقط في الإعلان عن مبلغ 1000 درهم، وإنما في ضمان تمويله بشكل مستدام دون أن يتحول إلى ضغط إضافي على الميزانية أو على موارد الدولة. وهذا دون الأخذ بعين الاعتبال، أن تقرير والي بنك المغرب أكد على عدم استدامة مشروع الدعم الاجتماعي المباشر.
وتطرح مسألة المعاشات بدورها سؤال التمويل والاستدامة. فالحزب يتعهد بألا يقل أي معاش عن 3000 درهم شهرياً ابتداءً من السنة الثانية من الولاية، مع رفع معاش الأرملة إلى 100 في المائة من معاش المتوفى. وهذه الوعود لا تهم فقط الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، بل تمتد إلى أنظمة تقاعد مختلفة، وهو ما يجعل تحديد الكلفة النهائية أكثر تعقيداً من مجرد ضرب عدد المتقاعدين في قيمة الزيادة. وحتى الحسابات الأولية تظهر أن أي رفع شامل للمعاشات سيكون التزاماً مالياً متكرراً سنوياً، وليس نفقة استثنائية تدفع مرة واحدة. ولذلك يبقى السؤال المركزي: ما هي الآلية المالية التي ستضمن استمرار هذا الالتزام ابتداءً من السنة الثانية، خصوصاً إذا لم يكن النمو الاقتصادي للبلد بالمستوى الذي يفترضه البرنامج؟

وفي النهاية، فإن قوة برنامج «البام» لا ينبغي أن تقاس بحجم الوعود فقط، والأرقام الضخمة التي يعتبرها متتبعون للشأن السياسي مجرد ذر رماد في العيون، ووعود صعبة المنال لنيل ثقة المواطن البسيط، وإنما بمدى صلابة المعادلة التي تربط بين النمو والموارد والإنفاق وخلق فرص الشغل. فالحزب يراهن على نمو في حدود 5 في المائة، وعلى 300 مليار درهم من الموارد الإضافية الناتجة عن النمو، وفي الوقت نفسه يتعهد بمليون منصب شغل وبالتزامات اجتماعية واسعة. غير أن تحقيق هذه الأهداف في وقت واحد يتطلب نمواً أعلى واستثماراً خاصاً قوياً وتحسناً كبيراً في الإنتاجية، وهي شروط لا تتحقق بمجرد رفع سقف التوقعات. فالبنك الدولي نفسه يرى أن المغرب قادر، عبر إصلاحات هيكلية وتحسين بيئة الأعمال، على خلق فرص عمل إضافية كبيرة، لكن ذلك مرتبط بإصلاحات عميقة وليس بالنمو وحده. وبالتالي، فإن الاختبار الحقيقي لبرنامج «البام» لن يكون في عدد الوعود التي يتضمنها، فحكومة الأحرار أثبتت بالملموس عدم قدرتها على الوفاء بالتزاماتها رغم أن المواطن “مجراش عليها بالحجر”، بل في الإجابة عن سؤال بسيط وحاسم: إذا لم يتحقق النمو المتوقع، فمن سيدفع فاتورة هذه الوعود؟